![]() |
| وافق شن طبقة |
|
زكريا محمـد
هذا هو، ربما، المثل الوحيد الذي ما زال يستخدم حتى الآن عند ناس الشارع العاديين، من بين الأمثال الجاهلية التي عالجناها في هذا الكتاب. لقد خرج من بطون الكتب كي يعيش بين الناس. وهو يضرب في اتفاق طرفين في أمر ما. ورغم بساطة المثل فهو من أشد الأمثال العربية إعتاما. بل إنه يبدو أحيانا كطلّسم لا مفتاح له. ونحن لا ندعي أننا سنفتح أبوابه المغلقة بشكل مؤكد، فكل ما نحاوله هو أن نشير إلى احتمالات لفتح هذه الأبواب عبر هذا الفرض أو ذلك. ولدينا عدد من القصص حول هذا المثل. لكننا نشك فيها جميعا. بل ونظن أنها من اختراع لغويين ورواة في أغلب الأمر. أي أننا نعتقد أن هذا المثل يستخدم منفصلا عن قصته الأصلية، التي ضاعت في ما يبدو. وللمثل ثلاثة تفسيرات، أو قل أربعة حتى. أما القصة الأولى، وهي الأكثر شيوعا والأجمل، والتي قرأناها في طفولتنا في المدارس، فهي التي تجعل من شن وطبقة رجلا وامرأة في غاية الذكاء: (ومن أخبار العرب في هذا المعنى أن شنا كان رجلا من دهاة العرب، وكان ألزم نفسه أن لا يتزوج إلا بامرأة تلائمه. فكان يجوب البلاد في ارتياد طلبته، فصاحبه رجل في بعض أسفاره. فلما أخذ منهما السير، قال له شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال له: يا جاهل، هل يحمل الراكب الراكب؟ فأمسك، وسار حتى أتيا على زرع، فقال له شن: أترى لهذا الزرع أكل أم لا؟ فقال: يا جاهل، ألا تراه في سنبله؟ فأمسك إلى أن استقبلتهما جنازة، فقال له شن: أترى صاحبها حيا أم لا؟ فقال له صاحبه: ما رأيت أجهل منك، أتراهم حملوا إلى القبر حيا؟ ثم أنهما وصلا إلى قرية الرجل فصار به إلى منزله، وكانت له بنت تسمى طبقة، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه فقال له: ما نطق إلا بالصواب: أما : تحملني أم أحملك، فإنه أراد تحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق؟ وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا، فإنه أراد هل استسلف ربه ثمنه؟ وأما استفهامه عن حياة صاحب الجنازة فإنه أراد به: أخلف عقبا يحيي ذكره أم لا؟ فلما خرج إلى الرجل حدثه بتأويل ابنته كلامه، فخطبها إليه، فزوجه إياها، وسار إلى قومه بها، فلما خبروا ما فيها من الدهاء والفطنة قالوا: وافق شن طبقة، فصارت مثلا. هذا أحد الأقوال في تفسير هذا المثل وهو بعيد) (ابن حمدون، التذكرة). ولسنا نريد أن نزيد على ما قاله ابن حمدون بشأن هذه القصة: (هذا أحد الأقوال في تفسير هذا المثل، وهو بعيد). أي أنها قصة بعيدة الاحتمال وغير مقنعة. أما القصة الثانية فرويت عن الأصمعي: (قال الأصمعي: هم قوم كان لهم وعاء من أدم فتشنن، فجعلوا له طبقا فوافقه، فقيل: وافق شن طبقه. وهكذا رواه أبو عبيد في كتابه وفسره) (الميداني، المجمع). ولدحض هذه القصة السخيفة نقتبس ما قاله ابن سيدة: (وليس الشن هنا القربة {لأن القربة} لا طبق لها) (المحكم). ويكرر هذا الرأي الزمخشري: (ومن جعل الشن القربة لم يكن كلاماً لأن الشن لا طبق له) (المستقصى). ويكرره البكري أيضا: (ومن جعل الشن القربة لم يكن كلاما لأن الشن لا طبق له) (فصل المقال). ومعهما حق في هذا. فليس للقربة غطاء يطبق عليها ويقفلها، بل هي تشد شدا من فمها. وهذا ما ينبئ بأن هذه القصة المختصرة اختراع من لغوي. لكن هذا لا يمنع أن نفكر في أصل العلاقة اللغوية بين الشن- القربة وبين شن بطل المثل. ذلك أن التطابق اللفظي بينهما قد يشير إلى شيء مشترك. أما القصة الثالثة، فقد نقلت عن الكلبي: (وقال الكلبي: طبقة قبيلة من إياد كانت لا تطاق فوقع بها شن بن أقصي بن عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار فانتصف منها وأصابت منه فصار مثلا للمتفقين في الشدة وغيرها، قال الشاعر: ليس من السهل التشكيك في الكلبي ورواياته. فالكلبي أعلم العالمين بأديان العرب وقبائلهم. لكن أمرين يجعلان القصة التي أوردها غير مقنعة: الأول: أن البيت الشعري الذي يستشهد به لا يذكر قبيلة (طبقة) المفترضة. فهو يتحدث عن (شن وإياد) فقط. ومن الصعب جدا قبول أن كلمة (طبقا) في البيت هي قبيلة طبقة المفترضة. فكلمة (طبقا) تعني في البيت طباقا وفاقا، أي أن شنا واجهت إيادا بالقنا فعادلتها وساوتها، وكانت ندا لها وطباقا، وليس أكثر من ذلك. أضف إلى هذا أن كل من يتحدثون عن (طبقة) كقبيلة من إياد يفشلون في ذكر تسلسل نسبها، ويفشلون حتى في ذكر أي واحد محدد منها. وهو عكس ما يحصل مع شن، التي تظهر كقبيلة مؤكدة الوجود. خذ هذا المقتبس دليلا على ذلك: (وقولهم: "صادف شن طبقه": هما قبيلتان: شن بن أقصى بن عبد القيس، وطبق: حي من إياد وكانت شن لا يقام لها، فواقعتها طبق، فانتصفت منها فقيل: "وافق شن طبقه، وافقه فاعتنقه") (ابن سيدة، المحكم). وكما نرى فقبيلة شن معروفة ويتم ذكر نسبها بوضوح. أما طبق فيقال عنها (حي من إياد) فقط. إنها مجرد كلمة لا غير. ويكاد المرء يعتقد أن هذا الحي قد اختلق من التفسير المحدد الخاطئ لبيت الشعر الذي نحن بصدده. ثانيا: يوحي بيت الشعر الذي نحن بصدده وكأنه يستشهد بمثل (وافق شن طبقة) كي يطبقه على العلاقة بين شن وإياد. فهو يريد أن يقول أن حال شن وإياد مثل حال شن وطبقة القديمين. وإذا صحت هذه الملاحظة، فإن تصادف وجود قبيلة باسم شن في البيت ووجود اسم شن في المثل هو الذي أدى إلى الافتراض أنه يتحدث عن قبيلتي شن وإياد. فوق ذلك، فإن هناك من يروي قصة شن وإياد على نحو مخالف: (في كتاب علي، رضوان الله عليه، إلى عمرو بن العاص: كما وافق شن طبقَه؛ قال: هذا مثل للعرب يضرب لكل اثنين أَو أمرين جَمَعَتْهُما حالة واحدة اتّصف بها كل منهما، وأَصله أَن شنا وطبقة حيّان اتفقا على أَمر فقيل لهما ذلك، لأَن كل واحد منهما قيل ذلك له لما وافق شكله ونظيره) (لسان العرب). وهكذا، فليس هنا من حرب بين قبيلين بل وفاق بينهما. بل إن البكري ينقل رواية تتحدث عن رجلين لا عن قبيلتين: )وقيل شن وطبقة رجلان التقيا في القتال، فقيل وافق شن طبقه وافقه فاعتنقه) (فصل المقال). حسن جدا، لقد ألقينا بظلال قوية من الشكوك حول القصص المفترضة للمثل، فأين نمضي من هنا؟ الشن والمطر
نحن في الحقيقة أميل إلى أن نرى في المثل إشارة ميثولوجية دينية تتعلق بالانقلابات الفصلية، أو تتعلق بالانقلاب الشتوي بشكل خاص. وليس لدينا براهين قاطعة لدعم هذا الاستخلاص، لكننا نملك إشارات ما قد تجعله شرعيا. فجذر (شنن) العربي يدعم هذا الاستخلاص. فهو يعني: يعني رش الماء: (وقد شَنَّ الماءَ على شرابه أَي فرَّقه عليه). و(شننت الماء إذا رششته رشا متفرقا، تقول: شننت الماء على الشراب وشننت الماء على وجهي، فإن صببته صبا متصلا قلت سننته بالمهملة) (لسان العرب). وجذر سنن، الذي هو في الواقع تنويع على جذر شنن، يعني هو الأخر يعني ما يعنيه شنن: (سَنَّ الماءَ على وجهه أَي صبَّه عليه صبّاً سَهْلاً. الجوهري: سَنَنْتُ الماءَ على وجهي أَي أَرسلته إِرسالاً من غير تفريق، فإِذا فرّقته بالصب قلت بالشين المعجمة... والسَّنُّ. الصبُّ في سُهولة، ويروى بالشين المعجمة، وسيأْتي ذكره؛ ومنه حديث الخمر: سُنَّها في البَطْحاء... وفي حديث ابن عمر: كان يَسُنُّ الماءَ على وجهه ولا يَشُنُّه أَي كان يصبه ولا يفرّقه عليه) (لسان العرب). وعلينا هنا أن نتذكر خالد بن سنان العبسي، النبي الذي ضيعه قومه، والذي رأينا في كتابنا السابق أنه يمثل إلها في مظهره الشتوي. و (سنان) على علاقة بجذر (سنن) الذي يعني صب الماء. كما أن المسناة هي السد الذي يحجز ماء المطر. عليه، فهناك احتمال أن يكون (شن) في المثل إشارة للشتاء، أو رمزا للشتاء. ولا بد هنا من الإشارة إلى أننا اعتدنا انطلاقا من كتابنا السابق أن نرى في أسماء الأجداد القبليين، مثل شن وغيره، أسماء آلهة في الأصل. يعني أن أبناء القبيلة هم أبناء الإله، وهو أبوهم. وعندما نرى ان هناك قبيلة لها جد قبلي يدعى (شنا) فلنا أن نقترح أن شنا هذا إله، أو أنه وصف لإله محدد. وبالمناسبة فإن الجذر المصري القديم الشبيه بجذر (شنن) العربي يعطي معنى المطر: (شنييت: وابل (مطر شديد).. إعصار... شنت: تعويذة.. رقية.. سحر، شنتو: بلشون.. مالك الحزين) (موني، المعجم الوجيز). والبلشون من طيور الماء. وهكذا، فشنييت تعني: وابل من مطر شديد، أو إعصار. وهذا يعني أننا أمام الشتاء.
طبقة
أما بخصوص جذر (طبق) فنحن أمام معاني متعددة. لكن واحدا من معانيه الرئيسية يشير إلى الحية. وقد واجهنا في فصول سابقة الحية التي تدعى (أم طبق) أو (بنت طبق). لكن ليس من غير المجدي أن مقتبسا واحدا منها: (وبنَاتُ الطَّبَقِ: الدواهي. يقال للداهية: إحدى بنات طَبَقٍ، ويقال للدواهي بنات طَبَقٍ، ويروى أَن أَصلها الحية أَي أَنها استدارت حتى صارت مثل الطَّبَقِ. ويقال: إحدى بناتِ طَبَق شَرُّك على رأْسك... الأَصمعي: يقال: جاء بإِحدى بناتِ طَبَقٍ، وأَصلها من الحيَّات) (لسان العرب). إذن، فالحية طبق أو أم طبق، أو بنت طبق! وهذا ما يجعل اقتراحنا أن شنا يعني الشتاء والمطر اقتراحا معقولا جدا. فقد رأينا في كتابنا السابق كيف أن الحية رمز للشتاء والبيات الشتوي. كما رأينا كيف أن الآلهة في طورهم الشتوي غير الفيضي يتبدون كحيات وأفاع وثعابين. عليه، يصبح معنى المثل واضحا: لقد وافق شن طبقه، أي وافق الشتاء حيته، أو وافق إله الشتاء الحية. ويؤكد هذا أن المثل في الأصل لا يتحدث عن حرب وصراع، بل يتحدث عن وفاق وعناق. أي أن كلام الضبي عن أن المثل يتحدث عن حرب بين قبيلتي شن وطبقة ليس صحيحا، وأنه شوش فهمنا للمثل تماما.
وافقه فاعتنقه
وربما كان علينا أن نحدق في الجملة التي تتبع المثل عادة، وهي جملة: (وافقه فاعتنقه). وما أتانا عن هذه الجملة محير حقا. فالنويري يرى أنها زيادة من المتأخرين: (وزاد المتأخرون فيه: "وافقه فاعقتنه") (نهاية الأرب). أما البكري فيقول: (فقال الشاعر: لقيت شن إياد بالقنا/ طبقا وافق شن طبقة. وقال كاهن فيهم: وافق شن طبقة/ وافقه فأعتنقه) (معجم ما استعجم). وهكذا فنحن أمام رأيين متناقضين تماما؛ واحد يقول لنا أن الجملة زيادة من المتأخرين، وواحد يقول أنها جملة قديمة جدا، وأن قائلها كاهن. وكون قائلها كاهن يعني أننا مع المثل كله أمام نص ديني، يقال في مناسبة دينية. ويؤكد البكري وجود الكهان، لكن هذه المرة في نص آخر. فهو ينقل عن آخرين (أن قولهم "وافق شن طبقه" كانا رجلين كاهنين في الجاهلية سئل كل واحد منهما بغير محضر صاحبه عن شيء فاتفقا فقيل "وافق شن طبقه") (البكري، فصل المقال). وهكذا فنحن مع الكهان من جديد، لكن ليس مع كاهن واحد، بل مع كاهنين؛ واحد اسمه شن والآخر طبقة! من جانبنا، نعتقد أن جملة (وافقه فاعتنقه) قديمة بقدم المثل. أي أنها مثل المثل جاءت من أعماق العصر الجاهلي، وأنها بالفعل كانت تقال من قبل كاهن، أي تقال كجملة دينية. أو أنها كانت تقال في احتفال طقسي يضم كاهنين متوافقين، أي من طبيعة واحدة. ويبدو أن البكري وغيره رأى أن الجملة قد زيدت على المثل من قبل المتأخرين لأنها تتعارض مع التفسير الأكثر شيوعا للمثل، والذي يقول بوجود قطبين متحاربين، هما قبيلتا شن وطبق، أو طبقه. فالجملة تتحدث عن وضع توافق لا عن استقطاب. أي أنها لا تتحدث عن عدوين، بل عن صديقين. وهذا يتوافق مع تقديرنا أن شنا يساوي الشتاء وأن طبقة هي حيته. بالتالي، فقد وافق شن، أي المطر الشتوي، ثعبان الشتاء، وعانقه. وإذا كان هناك من ذرة احتمال أن شنا وطبقة هما رجل وامرأة ذكيان وافق ذكاؤهما بعضه، فلا بد أن يكون شن قد لعب دور المطر، أو إلهه، ولا بد أن تكون طبقة قد لعبت دور الحية. على كل حال، ليس هناك من استقطاب وتعارض في المثل. أما التعارض والاستقطاب فنجده في مثل آخر يلعب فيه (شن) دور احد بطلين، هما شن ولكيز. يقال: (يحمل شن ويفدّى لكيز).
شن ولكيز
ولهذا المثل قصة محددة، متفق عليها: (يحمل شن ويفدى لكيز: قال المفضل: هما ابنا أفصى بن عبد القيس. وكانا مع أمهما في سفر، وهي ليلى بنت قران بن بلى، حتى نزلت ذا طوي، فلما أرادت الرحيل فدت لكيزاً ودعت شناً ليحملها، فحملها وهو غضبان. حتى إذا كانوا في الثنية رمى بها عن بعيرها فماتت، فقال: يحمل شن ويفدى لكيز. فأرسلها مثلاً. ثم قال عليك بجعرات أمك يا لكيز. أرسلها مثلاً) (الميداني، المجمع). يضيف العسكري عن المثل: (يضرب مثلا للرجلين يهان أحدهما، ويكرم الآخر. وشن ولكيز: ابنا قصي بن عبد القيس، وكانا مع أمهما في سفر، فنزلوا ذا طوي، فقالت: يا لكيز، قم فديتك حتى ترحل، وقالت: لشنٍ: تعالى فاحملني، فقيل لها: "يحمل شن ويفدى لكيز) (الجمهرة) إذن، فشن بطل لمثلين لا مثل واحد. وهو والد قبيلة مشهورة. أما أخوه لكيز فوالد قبيلة شقيقة لها. وعلينا أن نعيد التذكير هنا بأن أغلب الأجداد القبليين يحملون أسماء آلهة، أي أنهم في الواقع آلهة تنسب القبائل إليهم. طيب، ما الذي يحمله لنا شن ولكيز من أجل فهم شن وطبقة؟ للجواب على هذا السؤال، يجب أن نركز على أن فهم مثل (يحمل شن ويفدى لكيز) عند المفسرين قام على أساس أن كلمة (يحمل) تعني الرفع، وأن كلمة (يفدّى) من التفدية، أي من قولك: فديتك. لكن مشكلة هذا التفسير أن هاتين الكلمتين تحملان معاني مختلفة لو اتبعت لصار للمثل معنى آخر. فكلمة (يحمل) مثلا ربما كانت تعني: السحاب الممطر، أو المطر، أو البرق. يقول اللسان: (الحَمَل: السحاب الكثير الماء) (لسان العرب). يضيف اللسان: (والحَمَل النَّوء، قال: وهو الطَّلِيّ. يقال: مُطِرنا بنوء الحَمَل وبِنوء الطّلي؛ وقول المتنخِّل الهذلي: كالسُّحُل البِيضِ، جلا لَونها سَحُّ نِـجاءِ الحَمَل الأَسْول فسر بالسحاب الكثير الماء، وفسر بالبروج. وقيل في تفسير النجاء: السحاب الذي نشأ في نوءِ الحمل، قال: وقيل في الحمل إِنه المطر الذي يكون بنوء الحمل. وقيل: النجاء السحاب الذي هراق ماءه، واحده نجو، شبه البقر في بياضها بالسحل، وهي الثياب البيض، واحدها سحل. والأسول: المسترخِي أسفل البطن، شبه السحاب المسترخي به. وقال الأصمعي: الحمل ههنا السحاب الأسود، ويقوي قوله كونه وصفه بالأسول وهو المسترخي، ولا يوصف النجو بذلك، وإِنما أضاف النجاء إلى الحمل، والنجاء: السحاب لأنه نوع منه كما تقول حشف التمر لأن الحشف نوع منه) (لسان العرب). وهكذا، فالحمل هو السحاب الكثير المطر، أو النوء الممطر، أو المطر الذي يحمله نوء برج الحمل. ويضيف الجوهري: (والحَمَل: البرق، والجمع الحُملان) (الصحاح). إذن، فربما كان القسم الأول من المثل (يحمل شن) يعني: (يمطر شن)، أو (يبرق شن) استعدادا للمطر. وقد رأينا كيف أن شنا قد يكون رمزا المطر. أما بخصوص كلمة (يفدّى) فنحن أمام معنى: التكديس، تكديس القمح والتمر: (والفَداء، ممدود بالفتح: الأَنبار، وهو جماعة الطعام من الشعير والتمر والبُر ونحوه) (لسان العرب). يضيف اللسان: (الفَداء: الكُدْس من البُر، وقيل: هو مَسْطَحُ التمر بلغة عبد القيس... وقال ابن خالويه في جمعه الأَفْداء، وقال في تفسيره: التمر المجموع. قال شمر: الفَداء والجُوخان واحد، وهو موضع التمر الذي يُيَبَّس فيه) (لسان العرب). ويضيف ابن دريد: (والفداء، ممدود: مِسْطح التمر بلغة عبد القيس، والجمع أفدِية) (جمهرة اللغة). وجذر (لكز) يعني الوجأ، أي يعني ما يعنيه استعماله في العامية الآن. فالضرب: (على الذقن والحنك وهز ولهز. وعلى الصدر والجنب بالكف وكز ولكز. وعلى الجنب بالإصبع وخز) (الثعالبي، فقه اللغة). يضيف الخليل: (اللَّكْزُ: الوجأ في الصدر بجمع اليد، وفي الحنك) (الخليل الخليل، العين). ويزيد الزبيدي: (وقيل: هو الضرب بالجُمْع في جميع الجسد، نقله الجوهري. عن أبي زيد. قيل: اللَّكْزُ هو الوَجْأ في الصدر بجُمْع اليد، نقله الجوهري عن أبي عبيدة، كذلك في الحنَك. ويقال: هو شديد اللَّكْزَةِ والوَكْزَة) (تاج العروس). لكن هناك ما يشير إلى أن له علاقة بالرص والتلبيد، وهو ما قد يوحي بتخزين التمر: (والكتن: التلزج والتوسخ. التهذيب: في كتل يقال: كتنت جحافل الخيل من أكل العشب إذا لصق به أثر خضرته، وكتلت بالنون واللام إذا لزجت ولكز بها ماؤه فتلبّد) (لسان العرب). وهكذا، فاللكز هو التلبيد، وهو ما يوحي بتخزين التمر ورصه، عبر لكزه ودفعه بجمع اليد في القفف والأكياس، من أجل استهلاكه في الشتاء الطويل القادم. وربما كان معنى المثل بناء على ذلك: يمطر شن، ثم يلكز التمر، أي يدفع بجماع الكف كي يرص في المرابد أو القفف. ذلك أن التمر رمز للكيز. عليه، فلكيز كان يجمع تمره، ويملأ به مربده، غير خائف من الشتاء القادم، كما هو حال البدوي الذي قال: ولست أبالي عنـدما اكمتّ مربـدي من التمر أن لا يمطر الأرض كوكب ولدينا خبر واحد عن كائن ميثولوجي يدعى لكيز من خبر ينتهي إلى انس بن مالك: (كانت بنتُ عوف ابن عفراء مُضطجِعَةً في بيتها قائلة إذا استيقظَتْ وزنجي على صدرها آخذاً بحلقها، قالت: فأمسكَني ما شاء الله وأنا حينئذ قد حَرُمَتْ علي الصلاةُ، فبينا أنا كذلك نظرتُ إلى سقف البيت يَنْفَرِج، حتى نظرتُ إلى السماء فإذا صحيفة صفراء تَهِوي بين السماء والأرض حتى وقَعتْ على صدري، فنشرها وأرسل حَلقي فقرأها، فإذا فيها: من رَبّ لُكَيزٍ إلى لُكيزٍ، اجتنب ابنةَ العبد الصالح إنه لا سبيل لك عليها. ثم ضرب بيده على ركبتي وقال: لولا هذه الصحيفةُ لكان دم، أي لذبحتُكِ؛ فاسودتْ ركبتي حتى صارت مثلَ رأس الشاة، فأتت عائشة. فذكرت لها ذلك؛ فقالت لي: يا ابنة أخي، إذا حِضتِ فألزِمي عليك ثيابكِ فإنه لا سبيل له عليكِ إن شاء الله) (الدينوري، عيون الأخبار). هنا لدينا كائن ميثولوجي يدعى لكيز، له رب محدد يدعى (رب لكيز) ينزل إليها وحيا وصحائف صفر تأمره. وهو كائن ضارب حسب الرواية، فقد ضرب بنت عوف: (ثم ضرب بيده على ركبتي وقال: لولا هذه الصحيفةُ لكان دم، أي لذبحتُكِ). وليس هذا غريبا، فاللكز هو الضرب والوجأ. وفي النهاية، لا بد أن نعيد التذكير بالعلاقة اللفظية الوطيدة بين شن أخي لكيز وبين الشن القربة. وليس مستبعدا أبدا أن تكون رش الماء بالقربة، أي شنه، قد استخدم في الماضي السحيق كطقس من طقوس استجلاب المطر، أو طقس يدل على الدخول في القرار الشتوي، أي الموت. وإذا صح هذا الاحتمال، يكون هو جذر التشابك اللغوي بين شن- المطر وشن- القربة. والحق أن هناك خبرا رش فيه النبي الماء على القبور: (قام على قبر عثمان بن مظعون وأمر فرش عليه الماء... وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم) (الهيثمي، مجمع الزوائد). فالدخول في الموت هو طراز من الدخول في القرار الشتوي. والدخول في القرار الشتوي دخول مؤقت له عودة. لذا فرش الماء على القبر انتظار لأمل بعودة ما.
* فصل من كتاب (ذات النحيين: الأمثال الجاهلية بين الطقس والأسطورة)، الذي سوف يصدر عن دار الأهلية. |